محمد صابر عبيد في كتاب عن أدونيس: القارئ بوصفه نصاً

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
26/05/2010 06:00 AM
GMT



 في مقاربته للنص الشعري الأدونيسي يختار الناقد العراقي محمد صابر عبيد في كتابه (شيفرة أدونيس الشعرية)، الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009، منهجاً قرائياً حداثياً، يوائمُ بين نظرية التلقّي، التي تنهض على قوّة مرجعية القارئ وعمقها، وبين النظرية السيميائية التي تُعنى بتفكيك العلامات، والولوج إلى شبكة الدوال الشعرية، مرتكزةً إلى مستويات ثلاثة من التأويل، نظرية وإجرائية وتداولية، تؤلّف، نظرياً، جوهر المقاربة النقدية للواقعة النصية الأدونيسية، فالمستوى الأول يستند إلى تمهيد نظري مكثّف لظاهرة «الشيفرة» الشعرية، من خلال سبر علاقة الدال السيميائي بلعبة إنتاج المعنى، والمستوى الثاني يقوم على سبر مفصّل لقصيدة السيرة الذاتية في ديوان أدونيس (ليس الماء وحده جواباً عن العطش)، 2008، أما المستوى الثالث، فظل عائماً على سطح القراءة، متأرجحاً بين النظرية والتطبيق، كونه يمثّل حصيلةً للتفاعل الجدلي بينهما.
في المدخل الأول، الذي يتسم بالتكثيف والإيجاز، يبدأ الناقد عبيد بتناول فكرة الواقعة النصية، مركّزاً على فكرة اللّعب في القراءة، وبخاصة قدرتها الكامنة على إيهام القارئ وإغوائه للتنقيب في طبقات النص، دون الاكتفاء بالمعنى كموضوع نهائي، ما يساهم في إنقاذ القراءة من شرك الاستهلاك التقليدي، ويُدخِلها في مضمار التكهّن والاستنتاج، وبناء نصّ موازٍ، يقوم على التجاوز والاختراق والمباغتة. وينتقل الباحث، بعد ذلك، للنظر في الفضاء التشكيلي للنص الأدبي، معلناً إفلاس الأدوات التقليدية الماضية في سبرها أغوار النص الجديد، بعد أن بات يشكّل كياناً ثرياً خلاقاً، متشظياً، يفتقد للمركز، وتتوزّعُ دلالاته وإحالاته في المتن كما في الهامش. ويركّز عبيد، في هذا السياق، على ضرورة ترويض النص الأدبي، وفهم علاماته اللغوية، واستنطاق أسراره، لاكتشاف بهجته أو لذته الكامنة. وبما أنّ النصّ يتشكّلُ من مجموعة إشارات ورموز منتجة للمعنى، فإنه يتوجّب على الناقد الخروج من المتن التقليدي إلى الهوامش والعتبات والإلحاقات والمصاحبات، كالمقدمة والمدخل والاهداء والتذييل، للإحاطة بكافّة جوانب النصّ. إذ ثمة جدلية قائمة بين متن النص وهوامشه، تحتّمُ الانتقالَ، بحسب عبيد، من «القراءة الساذجة إلى القراءة المركّبة» (ص29)، بحيث يصبح القارئ نفسه مساهماً فعّالاً في عملية الكتابة، عبر بثّ شيء من روحه في تضاعيف النص، مرتكزاً على فردانيته القصوى كقارئ، وقدرته على الفحص والمعاينة والاستنتاج. ويؤكد عبيد أنّ النص يظل عصياً دائماً على قراءة نهائية يقينية، إذ لا يمكن استنفاذ غناه الدلالي، بما أنه يختزن «شبكة دفاعات متوزّعة» (ص 33)، تقاوم حتميةَ المعنى المكتمل، من خلال شهوة الحجب والنأي والغياب الكامنة فيه أصلاً، فالقراءة، كالكتابة ذاتها، إشكالية ومتحرّكة، وتقترن بطاقة اللّعب، والقدرة على اختراق المألوف. هنا تقترب القراءة من سيكولوجية التخييل لدى الطفل، كما يمثّلها الراوي في قصيدة أدونيس، «غيمة فوق قصابين»، حيث يدمج المتكلّم التذكّر بالتخييل في عملية استقراء الماضي واستعادته، ما يجعل المعنى الذي يقترحه هائماً لا يعرف الثبات، ويتجسّد في طاقة اللعب المتمثلة في العلاقة المرآوية بين أغراض يبتكرها النص، ومغامرة يبتدعها القارئ. ومن النتائج التي تفرزها طاقة اللعب، بحسب عبيد، هو «ذلك القبول الجذل بالوهم» (ص 38) المرتبط جوهرياً بآلية تلقّي المجاز، وقبول انزياحاته الدائمة.
رؤيا النص ورؤيا القارئ
وينتقل عبيد إلى مفهوم التأويل، ويعرّفه بالآلية التي تستعملها القراءة في عملية إنتاج المعاني الكثيفة للنصّ «عبر تحليل علاقاته ومستوياته وطبقاته» (ص 44) ويقرنه بقدرة القارئ على ملء الفراغات، وترجمة الكوامن، والمشاركة في إعادة إنتاج النص، ويرى عبيد أن حركية التأويل تنطلق دائماً من دائرة الظن والتخمين إلى نظام معرفي متماسك ورصين، تصل ذروته في عملية مشاركة القارئ بإنتاج النصّ، ومعانقته جماليات القراءة، والدخول إلى ما يسمّيه «أفق الانتظار» (ص 62)، حيث يتمّ تجاوز البنية اللغوية للنص، والتركيز على سياقاته المختلفة، التاريخية والفلسفية والتعبيرية، وعبر هذه الحركية تنصهر رؤيا النص برؤيا القارئ لتشكّلان ما يسمّيه الناقد «إشــكالية المعنى»، وهذا يمثـل انزياحاً نوعياً عن النسق الخطّي التقليدي للقراءة الذاتية للنــص، إلى درجــة أنّ «أنا» القارئ تتحول نفسها إلى نصّ موازٍ يستنـطقه نصّ المؤلف ويعكس خلجاته.
وقبل انتقاله إلى تفكيك النص الأدونيسي في المدخل الثاني من الكتاب يمهد الباحث عبيد إلى مناقشة مكثفة لمفهوم التلقي الشعري وطبقاته، ويقسّمه إلى مراحل ثلاث، الأولى تتمثل بدراسة السياق الشعري العام ومختلف حساسياته، والثانية تركز على تجربة الشاعر بمفرده دون غيره، والثالثة تقارب نصاً محورياً للشاعر يتمتع بخصائص فريدة، وهذا ما يقوم به عبيد في مناقشته نص السيرة في ديوان أدونيس الآنف الذكر. ويؤكد عبيد في تفسيره لثيمة التلقّي على ضرورة تجــاوز العلاقة المعجمية الضيقة، ولفت الانتباه إلى سلسلة الانزياحات البنيــوية في القصيدة، التي تنفتح دائماً على آفاق دلالية جديدة. وهــنا يشــير الباحث إلى طريقة تلقي أدونيس، كنموذج، واصفاً قصــيدته بأنها «اختراقية ومتجاوزة ومتحدية» (ص 69)، ومكتــظة بكثافة إحــالية مدهشة، تستلزم نوعاً مختلـفاً من التلــقّي، يضـمر الكـثير من التجــريب والإثـارة والاستكـشاف.
في هذا المدخل الختامي يقدم الناقد أنموذجاً تطبيقياً بارعاً لقراءة القصيدة الأدونيسية، من خلال مواجهة إجرائية مثيرة للصنعة الشعرية لدى أدونيس، والتي تتسم أصلاً بمزايا فنية وجمالية فريدة، تزاوج بين الرؤيا والمهارة الفنية، يؤهّلها للجمع بين براءة الشرارة الشعرية، في أعلى توهجاتها، وبين البناء التقاني الهندسي في «أبرع حِرفيته» (ص 75). هنا يركّز الباحث على مفهوم أدونيس لحداثية النصّ الشعري، وانتقاله من واحدية المفهوم إلى المتعدّد الشعري، حيث الشعر، من منظور أدونيس، لا ينمو إلاّ في نوع من الجدلية التناقضية، تتجلى في علاقة الشكل بالمضمون أو الرؤيا باللغة. ويضرب الناقد مثالاً على هذه الجدلية ثنائية العطش والماء في ديوان أدونيس، ويصفها بأنها «علاقة لولبية ومتموجة، منفية ومثبتة، حاضرة وغائبة في آن معاً» (ص 79) وتتجسد أيضاً في تقسيم أدونيس لديوانه إلى قسمين متجاورين متحاورين، الأوّل بعنوان «غيوم» والثاني بعنوان «سياسة الضوء». ويختار عبيد القصيدة الأخيرة من القسم الأول، بعنوان «غيمة فوق قصابين»، كأنموذج لما يسمّيه «القصيدة السير ذاتية» (ص 81) ويسبر غورها جملةً جملةً، وعلامةً علامةً، مظهراً صوت الراوي - الطفل في نسيج النص، والآلية السيميائية في تدوين أدونيس لسيرة المكان، وقراءة سيرة الذات الرائية، من خلال النظر أو التحديق في مرآة الزّمن المستعاد.
وتبرز الشيفرة الشعرية الأكثر خصوصية لدى أدونيس، في استخدام رمز «العين»، في قصيدته «العين»، في الجزء الثاني من ديوانه، وهنا يستغرق عبيد في تحليل أبعادها الرمزية والفلسفية والتاريخية والمعجمية، بوصفها «كاميرا تصور المشهد المستعاد» (ص 93)، بصرياً ومشهدياً، وتترجم الخزين الصوري للمتكلّم، والثراء الحكائي المضمر في الذاكرة السردية، عبر مقاربة لغوية صورية للمشهد الطبيعي. ويرى عبيد أنّ نص أدونيس يفرض على القارئ درجة عالية من التلقي، كونه يضمر مقدرة فريدة في «التصوّر والتخييل والمشهدية» (ص 111). ويرى في شيفرة العين رمزاً مزدوجاً يجمع بين الحسي والمعنوي، إذ هي «عين اللغة» (ص 129) التي يستعيد من خلالها راوي أدونيس مشاهد جنّته المفقودة. والعين في القصيدة، كما يرى الناقد، هي الشــيفرة التي تعكس فضاء «عين» أدونيس الشعرية والتاريخــية والحضارية واللغــوية والحلمية والتشكيلية، لا سيما في قوله: «حقاً أيهــا الشعر، أيها العين العــالية/ ليست الأيام إلا غيوماً تتحرّكُ في عين الليل». إنّــها، إذاً، عــين الشعر التي تذهب فيما وراء التخوم، وتتجاوز جبــرية الحسّي والتاريخي، لتعانــق تخوم الرؤيا المطلقة.
إن مسار التأويل الذي يقدمه عبيد في هذه الدراسة الشيقة يمرّ بحلقات منهجية محكمة، تستفيد كثيراً من نظريات النقد الغربي، وبخاصة ما يتعلّق منها بنظرية استجــابة القارئ التي تتكئ على استثمار حساسية القارئ وثقافته وفردانيــته في تنــاول النصوص. وقد قدّم عبيد نفسه قارئاً أنموذجياً لنصّ أدونيس، المتعــدّد الطبقات والأنساق، من خلال تسليطه الضوء على اللّذة الكامــنة في المجاز الشعــري الأدونيسي، والكشف عن الفراغات الخلاّقة في بنية اللغــة الـشعرية وانزياحاتها الكثيرة.